عبد الملك الجويني

191

نهاية المطلب في دراية المذهب

3657 - فهذا إذا تولى الحاكم البيعَ ، وأمّا إذا نصب أميناً ، فباع الأمين الرهنَ ، أو عيناً من التركة بإذن الحاكم ، وتلف الثمن في يد الأمين ، ثم تبين الاستحقاق ؛ فلأصحابنا وجهان مشهوران : أحدهما - أنه لا تتعلق الطَّلِبة بالأمين ؛ من جهة أنه منصوب من مجلس الحاكم ، فكان كالحاكم . وهذا ظاهر نص الشافعي . ومن أصحابنا من علق الطَّلِبةَ بالعَدْلِ ، وإن كان منصوباً من جهة الحاكم . وهذا بعيد عن النص والقياس - وإن كان مشهوراً - فليس ينقدح الفرقُ بين الحاكم وبين منصوبه ؛ فإن الحكام لا يتعاطون جملة العقود بأنفسهم ، وما يفوضونه إلى الأمناء أكثر مما يتعاطَوْنه . ولو تعرض الأمناء من جهتهم لغرر العُهدة ، لامتنعوا عن مباشرة الأمور ، ويضيق بهذا السبب الأمرُ على القضاة . فإذا حططنا الطَّلِبةَ عن الحاكم ؛ صيانةً لمنصبه ، وجب طردُ ذلك في أمينه . وقد قال أئمتنا : إذا ادّعى رجل محكوم عليه أن القاضي ظلمني ، وتحيَّف عليَّ في حكمه ، فلا تقبل دعواه على الحاكم نفسِه ، فإنا لو فتحنا هذا البابَ ، لانطلقت ألسنُ الخصوم على الولاة . وفي هذا ترتيبٌ وتفصيل ، سنذكره في أدب القضاة ، إن شاء الله تعالى . 3658 - فحصل من مجموع ما ذكرناه مراتب : إحداها - الوكيل الذي ينصبه الحاكم . وقد مضى القول في مطالبته ورجوعه ، ومطالبة موكِّله . والمرتبة الثانية - في تصرف الحكام بأنفسهم . والثالثة - في تصرف الأمناء المنصوبين من جهة الحكام . وقد نجز هذا الركن من أركان العهدة . وليعلم الناظر أن ذلك ليس من عهدة العقد ؛ إذ لا عقدَ مع الاستحقاق ، ولكن القول في هذا دائر على التغرير والتسبب إليه ، مع ثبوت الأيدي للمتوسّطين . 3659 - والركن الثالث - من العهدة يتعلق بالرد بالعيب . وليس هذا موضعه . وسنأتي به مبسوطاً في كتاب الوكالة ، إن شاء الله عزّ وجل .